تفسير ابن كثر - سورة النحل - الآية 90

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Google+ Pinterest Reddit StumbleUpon Linkedin Tumblr Google Bookmarks Email
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) (النحل) mp3
يُخْبِر تَعَالَى أَنَّهُ يَأْمُر عِبَاده بِالْعَدْلِ وَهُوَ الْقِسْط وَالْمُوَازَنَة وَيَنْدُب إِلَى الْإِحْسَان كَقَوْلِهِ تَعَالَى " وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْر لِلصَّابِرِينَ " وَقَوْله " وَجَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة مِثْلهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْره عَلَى اللَّه " وَقَالَ " وَالْجُرُوح قِصَاص فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَة لَهُ " إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِنْ الْآيَات الدَّالَّة عَلَى شَرْعِيَّة الْعَدْل وَالنَّدْب إِلَى الْفَضْل . وَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس : " إِنَّ اللَّه يَأْمُر بِالْعَدْلِ " قَالَ شَهَادَة أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَقَالَ سُفْيَان بْن عُيَيْنَة الْعَدْل فِي هَذَا الْمَوْضِع هُوَ اِسْتِوَاء السَّرِيرَة وَالْعَلَانِيَة مِنْ كُلّ عَامِل لِلَّهِ عَمَلًا وَالْإِحْسَان أَنْ تَكُون سَرِيرَته أَحْسَن مِنْ عَلَانِيَته وَالْفَحْشَاء وَالْمُنْكَر أَنْ تَكُون عَلَانِيَته أَحْسَن مِنْ سَرِيرَته , وَقَوْله " وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى " أَيْ يَأْمُر بِصِلَةِ الْأَرْحَام كَمَا قَالَ " وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقّه وَالْمِسْكِين وَابْن السَّبِيل وَلَا تُبَذِّر تَبْذِيرًا " وَقَوْله " وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاء وَالْمُنْكَر " فَالْفَوَاحِش الْمُحَرَّمَات وَالْمُنْكَرَات مَا ظَهَرَ مِنْهَا مِنْ فَاعِلهَا وَلِهَذَا قِيلَ فِي الْمَوْضِع الْآخَر " قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ " وَأَمَّا الْبَغْي فَهُوَ الْعُدْوَان عَلَى النَّاس وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيث " مَا مِنْ ذَنْب أَجْدَر أَنْ يُعَجِّل اللَّه عُقُوبَته فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخِر لِصَاحِبِهِ فِي الْآخِرَة مِنْ الْبَغْي وَقَطِيعَة الرَّحِم " وَقَوْله " يَعِظكُمْ " أَيْ يَأْمُركُمْ بِمَا يَأْمُركُمْ بِهِ مِنْ الْخَيْر وَيَنْهَاكُمْ عَمَّا يَنْهَاكُمْ عَنْهُ مِنْ الشَّرّ " لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ " وَقَالَ الشَّعْبِيّ عَنْ بَشِير بْن نَهِيك سَمِعْت اِبْن مَسْعُود يَقُول : إِنَّ أَجْمَع آيَة فِي الْقُرْآن فِي سُورَة النَّحْل " إِنَّ اللَّه يَأْمُركُمْ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان " الْآيَة رَوَاهُ اِبْن جَرِير وَقَالَ سَعِيد عَنْ قَتَادَة قَوْله " إِنَّ اللَّه يَأْمُر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان " الْآيَة لَيْسَ مِنْ خُلُق حَسَن كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَعْمَلُونَ بِهِ وَيَسْتَحْسِنُونَهُ إِلَّا أَمَرَ اللَّه بِهِ وَلَيْسَ مِنْ خُلُق سَيِّئ كَانُوا يَتَعَايَرُونَهُ بَيْنهمْ إِلَّا نَهَى اللَّه عَنْهُ وَقَدَّمَ فِيهِ وَإِنَّمَا نَهَى عَنْ سَفَاسِف الْأَخْلَاق وَمَذَامّهَا [ قُلْت ] وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيث " إِنَّ اللَّه يُحِبّ مَعَالِي الْأَخْلَاق وَيَكْرَه سَفْسَافهَا " . وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو يَعْلَى فِي كِتَاب مَعْرِفَة الصَّحَابَة حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر مُحَمَّد بْن الْفَتْح الْحَنْبَلِيّ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن مُحَمَّد مَوْلَى بَنِي هَاشِم حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن دَاوُد الْمُنْكَدِرِيّ حَدَّثَنَا عُمَر بْن عَلِيّ الْمُقَدِّمِيّ عَنْ عَلِيّ بْن عَبْد الْمَلِك بْن عُمَيْر عَنْ أَبِيهِ قَالَ : بَلَغَ أَكْثَم بْن صَيْفِيّ مَخْرَج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَرَادَ أَنْ يَأْتِيه فَأَبَى قَوْمه أَنْ يَدَعُوهُ وَقَالُوا : أَنْتَ كَبِيرنَا لَمْ تَكُنْ لِتَخِفّ إِلَيْهِ قَالَ فَلْيَأْتِهِ مَنْ يُبَلِّغهُ عَنِّي وَيُبَلِّغنِي عَنْهُ فَانْتُدِبَ رَجُلَانِ فَأَتَيَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَا نَحْنُ رُسُل أَكْثَم بْن صَيْفِيّ وَهُوَ يَسْأَلك مَنْ أَنْتَ وَمَا أَنْتَ ؟ فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَمَّا مَنْ أَنَا فَأَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه وَأَمَّا مَا أَنَا فَأَنَا عَبْد اللَّه وَرَسُوله " . قَالَ ثُمَّ تَلَا عَلَيْهِمْ هَذِهِ الْآيَة " إِنَّ اللَّه يَأْمُر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان " الْآيَة . قَالُوا رَدِّدْ عَلَيْنَا هَذَا الْقَوْل فَرَدَّدَهُ عَلَيْهِمْ حَتَّى حَفِظُوهُ فَأَتَيَا أَكْثَم فَقَالَا أَبَى أَنْ يَرْفَع نَسَبه فَسَأَلْنَا عَنْ نَسَبه فَوَجَدْنَاهُ زَاكِي النَّسَب وَسَطًا فِي مُضَر - أَيْ شَرِيفًا - وَقَدْ رَمَى إِلَيْنَا بِكَلِمَاتٍ قَدْ سَمِعْنَاهَا فَلَمَّا سَمِعَهُنَّ أَكْثَم قَالَ : إِنِّي أَرَاهُ يَأْمُر بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاق وَيَنْهَى عَنْ مَلَائِمِهَا فَكُونُوا فِي هَذَا الْأَمْر رُءُوسًا وَلَا تَكُونُوا فِيهِ أَذْنَابًا وَقَدْ وَرَدَ فِي نُزُولهَا حَدِيث حَسَن رَوَاهُ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْر حَدَّثَنَا عَبْد الْحَمِيد حَدَّثَنَا شَهْر حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس قَالَ بَيْنَمَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِفِنَاءِ بَيْته جَالِس إِذْ مَرَّ بِهِ عُثْمَان بْن مَظْعُون فَكَشَرَ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَلَا تَجْلِس ؟ " فَقَالَ بَلَى قَالَ فَجَلَسَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتَقْبِله فَبَيْنَمَا هُوَ يُحَدِّثهُ إِذْ شَخَصَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَصَرِهِ إِلَى السَّمَاء فَنَظَرَ سَاعَة إِلَى السَّمَاء فَأَخَذَ يَضَع بَصَره حَتَّى وَضَعَهُ عَلَى يَمِينه فِي الْأَرْض فَتَحَرَّفَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ جَلِيسه عُثْمَان إِلَى حَيْثُ وَضَعَ بَصَره فَأَخَذَ يُنْغِض رَأْسه كَأَنَّهُ يَسْتَفْقِهُ مَا يُقَال لَهُ وَابْن مَظْعُون يَنْظُر فَلَمَّا قَضَى حَاجَته وَاسْتَفْقَهَ مَا يُقَال لَهُ شَخَصَ بَصَر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى السَّمَاء كَمَا شَخَصَ أَوَّل مَرَّة فَأَتْبَعَهُ بَصَره حَتَّى تَوَارَى إِلَى السَّمَاء فَأَقْبَلَ إِلَى عُثْمَان بِجِلْسَتِهِ الْأُولَى فَقَالَ : يَا مُحَمَّد فِيمَا كُنْت أُجَالِسك مَا رَأَيْتُك تَفْعَل كَفِعْلِك الْغَدَاة فَقَالَ " وَمَا رَأَيْتنِي فَعَلْت ؟ " قَالَ رَأَيْت شَخَصَ بَصَرك إِلَى السَّمَاء ثُمَّ وَضَعْته حَيْثُ وَضَعْته عَلَى يَمِينك فَتَحَرَّفْت إِلَيْهِ وَتَرَكْتنِي فَأَخَذْت تُنْغِض رَأْسك كَأَنَّك تَسْتَفْقِهُ شَيْئًا يُقَال لَك . قَالَ " وَفَطِنْت لِذَلِكَ ؟ " فَقَالَ عُثْمَان نَعَمْ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَتَانِي رَسُول اللَّه آنِفًا وَأَنْتَ جَالِس " قَالَ رَسُول اللَّه ؟ قَالَ " نَعَمْ " قَالَ فَمَا قَالَ لَك ؟ قَالَ " إِنَّ اللَّه يَأْمُر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان " الْآيَة . قَالَ عُثْمَان فَذَلِكَ حِين اِسْتَقَرَّ الْإِيمَان فِي قَلْبِي وَأَحْبَبْت مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِسْنَاد جَيِّد مُتَّصِل حَسَن قَدْ بُيِّنَ فِي السَّمَاع الْمُتَّصِل وَرَوَاهُ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ حَدِيث عَبْد الْحَمِيد بْن بَهْرَام مُخْتَصَرًا حَدِيث آخَر عَنْ عُثْمَان بْن أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيّ فِي ذَلِكَ قَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا أَسْوَد بْن عَامِر حَدَّثَنَا هُرَيْم عَنْ لَيْث عَنْ شَهْر بْن حَوْشَب عَنْ عُثْمَان بْن أَبِي الْعَاصِ قَالَ : كُنْت عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا إِذْ شَخَصَ بَصَره فَقَالَ " أَتَانِي جِبْرِيل فَأَمَرَنِي أَنْ أَضَع هَذِهِ الْآيَة بِهَذَا الْمَوْضِع مِنْ هَذِهِ السُّورَة " إِنَّ اللَّه يَأْمُر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان " الْآيَة . وَهَذَا إِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ وَلَعَلَّهُ عِنْد شَهْر بْن حَوْشَب مِنْ الْوَجْهَيْنِ وَاَللَّه أَعْلَم .
none
Facebook Twitter Google+ Pinterest Reddit StumbleUpon Linkedin Tumblr Google Bookmarks Email

كتب عشوائيه

  • رسالة إلى القضاة

    رسالة تحتوي على بعض النصائح والتوجيهات للقضاة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/334998

    التحميل:

  • نبي الإسلام ودين الإسلام والحضارة الإسلامية عند النخبة من علماء الغربيين

    نبي الإسلام ودين الإسلام: لئن نجَحَت طائفةٌ من الغربيين إلى الإساءة لنبيِّ الرحمة محمد - صلى الله عليه وسلم - وتشويه شريعته؛ عمدًا أو جهلاً، إن منهم فئةً عاقلةً منصفةً التزَمَت منهجًا علميًّا موضوعيًّا في دراسة سيرته وما يتصل بحياته ودعوته، وانتهت إلى الإقرار بأنه أعظمُ شخصٍ عرَفَته البشرية! وفي هذا البحث تتبُّعٌ جادٌّ لشهادات أولئك المُنصِفين من علماء الغرب، تكشِفُ عن عظمة نبيِّ المسلمين، وعظمة الشريعة التي دعا إليها، دون تحيُّز أو ميل إلى هوى!

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/341376

    التحميل:

  • مطوية الدعاء من الكتاب والسنة

    مطوية الدعاء من الكتاب والسنة: فهذه أدعية جامعة نافعة، اختصرها المؤلف - حفظه الله - من كتابه: «الدعاء من الكتاب والسنة».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/339731

    التحميل:

  • الجذور التاريخية لحقيقة الغلو والتطرف والإرهاب والعنف

    الجذور التاريخية لحقيقة الغلو والتطرف والإرهاب والعنف: في هذا البحث تحدث المصنف - حفظه الله - عن الجذور التاريخية لحقيقة الغلو والتطرف والإرهاب والعنف، وقد اشتمل الكتاب على مقدمة وتمهيد وثلاثة فصول. ففي المقدمة خطبة البحث، وخطته، وطرف من أهميته في تميِّز هذه الأمة وخصوصية دينها الإسلام بالعدل والوسطية من خلال منهاج السنة والاستقامة التي أبانها لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وفي التمهيد تحديد لحقيقة مصطلحات البحث، ثم جاء الفصل الأول: في تاريخ التطرف والغلو الديني، ثم جاء الفصل الثاني: في نشأة التطرف والغلو في الدين عند المسلمين, تأثرا بمن قبلهم من الأمم والديانات، ثم جاء الفصل الثالث: في التطرف والغلو في باب الأسماء والأحكام وآثاره.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/116851

    التحميل:

  • حدائق الموت

    حدائق الموت: كلماتٌ مختصرةٌ عن الموت وسكراته وأحوال الأموات عند الاحتضار، وبعض أقوال السلف الصالح عند احتضارهم وقبيل موتهم، مع بعض الأشعار والآثار التي فيها العِظة والعِبرة.

    الناشر: موقع الشيخ العريفي www.arefe.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/333917

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة