تفسير ابن كثر - سورة آل عمران - الآية 39

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Google+ Pinterest Reddit StumbleUpon Linkedin Tumblr Google Bookmarks Email
فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ (39) (آل عمران) mp3
قَالَ اللَّه تَعَالَى " فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَة وَهُوَ قَائِم يُصَلِّي فِي الْمِحْرَاب " أَيْ خَاطَبَتْهُ الْمَلَائِكَة شِفَاهًا خِطَابًا أَسْمَعَتْهُ وَهُوَ قَائِم يُصَلِّي فِي مِحْرَاب عِبَادَته وَمَحَلّ خَلْوَته وَمَجْلِس مُنَاجَاته وَصَلَاته . ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَمَّا بَشَّرَتْهُ بِهِ الْمَلَائِكَة " أَنَّ اللَّه يُبَشِّرك بِيَحْيَى " أَيْ بِوَلَدٍ يُوجَد لَك مِنْ صُلْبك اِسْمه يَحْيَى . قَالَ قَتَادَة وَغَيْره : إِنَّمَا سُمِّيَ يَحْيَى لِأَنَّ اللَّه أَحْيَاهُ بِالْإِيمَانِ . وَقَوْله " مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنْ اللَّه " . رَوَى الْعَوْفِيّ وَغَيْره عَنْ اِبْن عَبَّاس وَقَالَ الْحَسَن وَقَتَادَة وَعِكْرِمَة وَمُجَاهِد وَأَبُو الشَّعْثَاء وَالسُّدِّيّ وَالرَّبِيع بْن أَنَس وَالضَّحَّاك وَغَيْره فِي هَذِهِ الْآيَة " مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنْ اللَّه " أَيْ عِيسَى اِبْن مَرْيَم . وَقَالَ الرَّبِيع بْن أَنَس : هُوَ أَوَّل مَنْ صَدَّقَ بِعِيسَى اِبْن مَرْيَم . وَقَالَ قَتَادَةُ : وَعَلَى سُنَّته وَمِنْهَاجه . وَقَالَ اِبْن جُرَيْج : قَالَ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنْ اللَّه قَالَ : كَانَ يَحْيَى وَعِيسَى اِبْنَيْ خَالَة وَكَانَتْ أُمّ يَحْيَى تَقُول لِمَرْيَمَ : إِنِّي أَجِد الَّذِي فِي بَطْنِي يَسْجُد لِلَّذِي فِي بَطْنك فَذَلِكَ تَصْدِيقه لَهُ فِي بَطْن أُمّه وَهُوَ أَوَّل مَنْ صَدَّقَ عِيسَى وَكَلِمَة اللَّه عِيسَى , وَهُوَ أَكْبَر مِنْ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام وَهَكَذَا قَالَ السُّدِّيّ أَيْضًا . وَقَوْله " وَسَيِّدًا " . قَالَ أَبُو الْعَالِيَة وَالرَّبِيع بْن أَنَس وَقَتَادَة وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَغَيْرهمْ : الْحَلِيم وَقَالَ قَتَادَة : سَيِّدًا فِي الْعِلْم وَالْعِبَادَة. وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَالثَّوْرِيّ وَالضَّحَّاك السَّيِّد الْحَلِيم التَّقِيّ : قَالَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب : هُوَ الْفَقِيه الْعَالِم وَقَالَ عَطِيَّة : السَّيِّد فِي خُلُقه وَدِينه وَقَالَ عِكْرِمَة : هُوَ الَّذِي لَا يَغْلِبهُ الْغَضَب وَقَالَ اِبْن زَيْد : هُوَ الشَّرِيف وَقَالَ مُجَاهِد وَغَيْره هُوَ الْكَرِيم عَلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . وَقَوْله " وَحَصُورًا " رُوِيَ عَنْ اِبْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَعِكْرِمَة وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَأَبِي الشَّعْثَاء وَعَطِيَّة الْعَوْفِيّ أَنَّهُمْ قَالُوا : الَّذِي لَا يَأْتِي النِّسَاء . وَعَنْ أَبِي الْعَالِيَة وَالرَّبِيع بْن أَنَس : هُوَ الَّذِي لَا يُولَد لَهُ وَلَا مَاء لَهُ . وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن الْمُغِيرَة أَنْبَأَنَا جَرِير عَنْ قَابُوس عَنْ أَبِيهِ عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي الْحَصُور : الَّذِي لَا يُنْزِل الْمَاء وَقَدْ رَوَى اِبْن أَبِي حَاتِم فِي هَذَا حَدِيثًا غَرِيبًا جِدًّا فَقَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بْن غَالِب الْبَغْدَادِيّ حَدَّثَنِي سَعِيد بْن سُلَيْمَان حَدَّثَنَا عَبَّاد يَعْنِي اِبْن الْعَوَّام عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ الْمُسَيِّب عَنْ اِبْن الْعَاصِ - لَا يَدْرِي عَبْد اللَّه أَوْ عَمْرو - عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْله " وَسَيِّدًا وَحَصُورًا " قَالَ : ثُمَّ تَنَاوَلَ شَيْئًا مِنْ الْأَرْض فَقَالَ " كَانَ ذَكَرُهُ مِثْل هَذَا " . وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم : حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن سِنَان حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن سَعِيد الْقَطَّان عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد الْأَنْصَارِيّ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ يَقُول : لَيْسَ أَحَد مِنْ خَلْق اللَّه لَا يَلْقَاهُ بِذَنْبٍ غَيْر يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا ثُمَّ قَرَأَ سَعِيد " وَسَيِّدًا وَحَصُورًا " ثُمَّ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ الْأَرْض فَقَالَ : الْحَصُور مَنْ ذَكَرُهُ مِثْل ذَا وَأَشَارَ يَحْيَى بْن سَعِيد الْقَطَّان بِطَرَفِ أُصْبُعه السَّبَّابَة فَهَذَا مَوْقُوف أَصَحّ إِسْنَادًا مِنْ الْمَرْفُوع وَرَوَاهُ اِبْن الْمُنْذِر فِي تَفْسِيره : حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن دَاوُدَ السَّمْنَانِيّ حَدَّثَنَا سُوَيْد بْن سَعِيد حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن مُسْهِر عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب قَالَ : سَمِعْت عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاص قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَا مِنْ عَبْد يَلْقَى اللَّه إِلَّا ذَا ذَنْبٍ إِلَّا يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا فَإِنَّ اللَّه يَقُول " وَسَيِّدًا وَحَصُورًا " - قَالَ - : وَإِنَّمَا ذَكَرُهُ مِثْل هُدْبَة الثَّوْب " وَأَشَارَ بِأُنْمُلَتِهِ وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا عِيسَى بْن حَمَّاد وَمُحَمَّد بْن سَلَمَة الْمُرَادِيّ قَالَا : حَدَّثَنَا حَجَّاج بْن سُلَيْمَان الْمُقْرِي عَنْ اللَّيْث بْن سَعْد عَنْ مُحَمَّد بْن عَجْلَان عَنْ الْقَعْقَاع عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " كُلّ اِبْن آدَم يَلْقَى اللَّه بِذَنْبٍ يُعَذِّبهُ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ أَوْ يَرْحَمهُ إِلَّا يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا فَإِنَّهُ كَانَ سَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنْ الصَّالِحِينَ " ثُمَّ أَهْوَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى قَذَاة مِنْ الْأَرْض فَأَخَذَهَا وَقَالَ : " وَكَانَ ذَكَره مِثْل هَذِهِ الْقَذَاة " . وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي عِيَاض فِي كِتَابه الشِّفَاء : اِعْلَمْ أَنَّ ثَنَاء اللَّه تَعَالَى عَلَى يَحْيَى أَنَّهُ كَانَ " حَصُورًا " لَيْسَ كَمَا قَالَهُ بَعْضهمْ إِنَّهُ كَانَ هَيُوبًا أَوْ لَا ذَكَرَ لَهُ بَلْ قَدْ أَنْكَرَ هَذَا حُذَّاق الْمُفَسِّرِينَ وَنُقَّاد الْعُلَمَاء وَقَالُوا : هَذِهِ نَقِيصَة وَعَيْب وَلَا يَلِيق بِالْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ السَّلَام وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ مَعْصُوم مِنْ الذُّنُوب أَيْ لَا يَأْتِيهَا كَأَنَّهُ حَصُور عَنْهَا وَقِيلَ : مَانِعًا نَفْسه مِنْ الشَّهَوَات وَقِيلَ لَيْسَتْ لَهُ شَهْوَة فِي النِّسَاء وَقَدْ بَانَ لَك مِنْ هَذَا أَنَّ عَدَم الْقُدْرَة عَلَى النِّكَاح نَقْصٌ وَإِنَّمَا الْفَضْل فِي كَوْنهَا مَوْجُودَة ثُمَّ يَمْنَعهَا إِمَّا بِمُجَاهَدَةٍ كَعِيسَى أَوْ بِكِفَايَةٍ مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ كَيَحْيَى عَلَيْهِ السَّلَام ثُمَّ هِيَ فِي حَقّ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهَا وَقَامَ بِالْوَاجِبِ فِيهَا وَلَمْ تَشْغَلهُ عَنْ رَبّه : دَرَجَة عُلْيَا وَهِيَ دَرَجَة نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي لَمْ يَشْغَلهُ كَثْرَتهنَّ عَنْ عِبَادَة رَبّه بَلْ زَادَهُ ذَلِكَ عِبَادَة بِتَحْصِينِهِنَّ وَقِيَامه عَلَيْهِنَّ وَإِكْسَابه لَهُنَّ وَهِدَايَته إِيَّاهُنَّ بَلْ قَدْ صَرَّحَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ حُظُوظ دُنْيَاهُ هُوَ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ حُظُوظ دُنْيَا غَيْره فَقَالَ : " حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ " هَذَا لَفْظه. وَالْمَقْصُود أَنَّهُ مَدْح لِيَحْيَى بِأَنَّهُ حَصُور لَيْسَ أَنَّهُ لَا يَأْتِي النِّسَاء بَلْ مَعْنَاهُ كَمَا قَالَهُ هُوَ وَغَيْره : أَنَّهُ مَعْصُوم مِنْ الْفَوَاحِش وَالْقَاذُورَات وَلَا يَمْنَع ذَلِكَ مِنْ تَزْوِيجه بِالنِّسَاءِ الْحَلَال وَغِشْيَانهنَّ وَإِيلَادهنَّ بَلْ قَدْ يُفْهَم وُجُود النَّسْل لَهُ مِنْ دُعَاء زَكَرِيَّا الْمُتَقَدِّم حَيْثُ قَالَ : " هَبْ لِي مِنْ لَدُنْك ذُرِّيَّة طَيِّبَة " كَأَنَّهُ قَالَ وَلَدًا لَهُ ذُرِّيَّة وَنَسْل وَعَقِب وَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى أَعْلَم . وَقَوْله " وَنَبِيًّا مِنْ الصَّالِحِينَ " هَذِهِ بِشَارَة ثَانِيَة بِنُبُوَّةِ يَحْيَى بَعْد الْبِشَارَة بِوِلَادَتِهِ وَهِيَ أَعْلَى مِنْ الْأُولَى كَقَوْلِهِ لِأُمِّ مُوسَى " إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْك وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ " .
none
Facebook Twitter Google+ Pinterest Reddit StumbleUpon Linkedin Tumblr Google Bookmarks Email

كتب عشوائيه

  • مفاتح تدبر القرآن والنجاح في الحياة

    مفاتح تدبر القرآن والنجاح في الحياة: هذه الرسالة تبين كيف يكون النجاح بالقرآن؟ بيان متكامل واضح يربط المفاهيم والمصطلحات بالواقع، وتوضح أن الأصل في تحقيق النجاح هو القرآن الكريم كلام رب العالمين، وما عداه: فإما أن يكون تابعاً له، وإلا فهو مرفوض. وقد حاول المؤلف -حفظه الله- أن يبين فيه كيفية تحقيق القوة والنجاح بمفهومه الشامل المتكامل لكل طبقات المجتمع ولجميع جوانب حياتهم.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/319827

    التحميل:

  • أدب الموعظة

    أدب الموعظة: رسالة تضمَّنت تعريف الموعظة وآدابلها ومقاصدها وأدلتها من الكتاب والسنة وأقوال وأفعال السلف الصالح عن ذلك.

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/355721

    التحميل:

  • الشيخ عبد الرحمن بن سعدي وجهوده في توضيح العقيدة

    الشيخ عبد الرحمن بن سعدي وجهوده في توضيح العقيدة: دراسة علمية لجهود الشيخ الإمام عبد الرحمن بن ناصر السعدي - رحمه الله - في توضيح وتأصيل العقيدة الإسلامية الصحيحة، من خلال كتبه ومؤلَّفاته الكثيرة في ذلك؛ ومنها: «تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنَّان»، ومختصره: «تيسير اللطيف المنَّان»، وشرح كتاب التوحيد، وغير ذلك من كتبه ورسائله - رحمه الله -.

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/344682

    التحميل:

  • مناظرة بين الإسلام والنصرانية

    مناظرة بين الإسلام والنصرانية : هذا الكتاب عبارة عن نص مكتوب لمناظرة أجريت بين نخبة من علماء المسلمين بدعوة من بعض قساوسة نصارى ومبشرين في الفترة من 23/1/1401هـ إلى 29/1/1401هـ، الموافق 1/12/1980م إلى 7/12/1980م بالخرطوم، وقاموا من خلالها باستعراض تفصيلي لحقيقة العقيدة النصرانية المسطرة في كتبهم ومناقشتها على ضوء ما يقرون به من معتقدات التثليث والصلب والفداء والأبوة والبنوة وعن الكتب المقدسة بعهديها القديم والجديد وأماطوا اللثام عن هذا التعارض والتناقض الذي تحمله هذه الأناجيل.

    الناشر: الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء بالرياض http://www.alifta.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/73737

    التحميل:

  • الشفاعة

    الشفاعة: هل هناك شفاعة للنبي - صلى الله عليه وسلم - يوم القيامة؟ ومن أحقُّ الناس بها؟ وهل هناك بعض الفرق التي تُنسَب للإسلام خالَفَت وأنكرت الشفاعة؟ وما أدلة إنكارهم؟ يُجيبُ الكتاب على هذه التساؤلات وغيرها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/380510

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة